tahalil-logo-ar

عزيزي ياسر عرفات../ عبد الله سيريه باه

إنك لا تستطيع التعرف علي…!

لقد رايت النور سنتين بعد الحرب العالمية الثانية… رغم ان كل أحد في قريتي يعرف ان النزاع بفلسطين كان مريرا…فلا أحد منهم كان يدري شيئا عن اعلان بلفور…ولاعن وعد بريطانيا بانشاء وطن قومي لليهود بفلسطين.

لا أحد في قريتي أدرك شيئا عن نضال العرب ضد الغزو والسلب الصيوني.. ولا عن مذابح دير ياسين.. ولا عن جرائم اراغون والهاغاناه.. وغيرهما من المنظمات التي تعتبر الحواضن التي أنجبت كل ما سيعرف بالارهاب في الشرق الاوسط.

لا أحد في قريتي كان يعلم اي شيء عن نزوح شعب فلسطين.. آخر ضحايا الاستعمار.. ولا عن الباقين على قيد الحياة من ضحايا الحل النهائي المستفيدين من تواطؤ الغرب المثقل بألم الضمير والمنزعج من جرائمه السابقة..

نحن لم نكن نعرف أي شيء عن كل هذا…!

رغم كل ما سبق فانني.. في حيز ما بداخلي.. ابن للنكبة…؟

لم أكن ولدت بعد حين اتيت انت للعالم منتشرا على بلدين في وقت واحد.. بدنك في مصر وروحك في فلسطين.. لكنني ها انا هنا حين اتتك الموت فوق ثلاث قارات.. وتحت باصرة الدنيا أجمعها..الدنيا التي حبست انفاسها على ايقاع انفاسك لاسبوعين كاملين.

لقد سمعت وزيرا من وزراء شارون يتحدث ببهجة وجذل عن كبير سعادته بخبر وفاتك.. ورأيت افرادا من طائفة من غلاة اليهود يرقصون قبيل وفاتك ويتلهفون لها..

وبايديهم الطبول والقيثارات.

لقد أحسست بالغضب الكبير…

بالألم الكبير…

ثم براحة عظيمة.. لأنه كان من الممكن أن أكون من بين الراقصين..

إذا كنت فرحا اليوم بانني لم أكن بين الراقصين.. فذلك لأنني في يوم من يونيو 1967 قابلت فلسطين..

التقيت بفلسطين.

لقد كنت ساعتها صحفيا متدربا.. واحدا من ذلك الصنف الساذج الزاخر باليقينيات وبالحقائق النهائية..

لم أكن أحب العرب كثيرا.. ولم أكن أحب ” المور” قليلا..

وكانت تغمرني تجاه اسرائيل واليهود عموما عاطفة صادقة..

بل محبة جياشة.

أشك أحيانا ان سبب تعاطفي مع اليهود يعود لخسارتي للمرحلة الثانوية بسبب جهلي الفاضح للغة العرب.. (قد لا يكون السبب الوحيد لكنني اكتفي به في هذا المقام)..

وربما لعقابيل الاحداث العرقية لسنة 1966..وكل ذلك تبلور في مراهقة منفعلة.

لقد كانت ميولي الصهيونية ترفدها مصادر عديدة.. منها فواجع شعب سيدنا داوود بالغرب المسيحي.. وشغفي بكتابات نوابغ من المفكرين والأدباء اليهود قد حظيت بالقراءة لهم مبكرا..وتاثير مدرس فرنسي كان يحبني كثيرا.. ولم يجد صعوبة تذكر في اقناعي بجمالية كيبوتزات الاشتراكية الصهيونية التي مارسها شعب بطل استطاع ان يجعل من الصحراء جنانا خضراء.

حرب الايام الستة.. واندحار الجيوش العربية.. وضعتني في حالة غير مسبوقة من الزهو والخيلاء…لقد كنت أتلذذ كثيرا بقراءة الصحف الفرنسية.. وهي تصف اذلال الجيوش العربية وتحلل مهانة الشعوب العربية..

في الأماسي كنت أتنقل بين المطاعم الباريسية التي يرتادها العرب المسلمون.. وتلك التي يرتادها اليهود لكي يتسنى لي ان اتغذى بافراح المنتصرين.. وأن أتشفى بأتراح المهزومين.

ذات عصر.. كنت جالسا بشرفة مقهى بشارع سوفلو.. وأمامى رزمة كبيرة من الصحف الفرنسية.. وكنت منكبا على صحيفة تحلل اخبار الحرب.. منكبا الى درجة الانهماك.. لذلك لم انتبه الى ان شخصا ما سحب كرسيا وجلس امامي.. حتى ناداني باسمي.. وحينها رفعت بصري اليه ووجدتني امام بونا كان.

لقد كان بسنوات قليلة قبل ذلك.. استاذي لمادة الفرنسية في اعدادية كيهيدي.. واحد الاعضاء البارزين من مجموعة 19 الموقعة على مانفيستو 1966…الذي سرع بالاحداث سالفة الذكر.

لقد كان استاذي السابق ملهما كبيرا لي.. انه من أكبر المدافعين عن المسالة السوداء ضد الظلامية العربية.

قال لي: ماذا تقرأ…؟ قلت له: صحفا تتحدث عن كيف ضرب اليهود العرب على مؤخراتهم..

قال لي: يبدو أنك سعيد جدا بما تقرا…؟

قلت له: طبعا.. وكيف لا اكون…؟

بعد هنيهة صمت.. وكاننا في حلم سمعته يقول:

اعتقد أنك مخطئ… ساءلت نفسي.. هل هذا حلم.. أم كابوس …؟ ثم تمتمت متذمرا بأنني لا افهم مغزى ما يقول …؟

نعم يجب ان تفهم إنك ترتكب غلطا بفرحك بهزيمة العرب.. لأن هزيمتهم هزيمتنا.. وهزيمتي.. وهزيمتك انت.. انها هزيمة الحقيقة.. والقانون.. والعدل..

ليس لك الحق في ان تبتهج بهزيمة العرب لأن عربا بموريتانيا غلطوا في حقك.. دون ان تتساءل عن الجهة التي توجد فيها العدالة ويتواجد فيها الحق. لم يتركني أنبس بكلمة.. لملم أطراف نفسه وارتحل وعلى ثغره بسمة ساخرة مشفقة.. وتتمتم بوداع متسرع ومقتضب.

لم أستطع النوم ليلتها.. لقد كنت محبطا.. ومهانا.. بل مذعورا فقد انبطح البطل.. لقد مات البطل الذي كنت اتصوره في شخصه.. وتمزقت يقينياتي الى شظايا..انها خيبة الأمل الكبرى.

حقوق الشعوب.. واي حقوق …؟

وما هذا الشيء الذي يسمونه الفلسطينيين الذي يتحدث عنه الجميع…؟

اليسوا مجاميع من الحفاة العراة الحاقدين على جنان عدن اقامها اليهود العباقرة…؟

بعد ذلك بايام نشرت الأزمان المعاصرة.. -مجلة جان بول سارتر-.. عددا خاصا عن الصراع العربي الاسرائيلي.. عدد ضخم من نيف وألف صفحة.. تم الاعداد له منذ سنتين.. فركضت على المجلد الكبير.. كما يركض البدوي العطشان صوب أمواه الواحة..

لقد دعت المجلة تسعة عشر مثقفا من اليهود جلهم من اسرائيل وواحدا وعشرون مثقفا عربيا اغلبهم من فلسطين للادلاء بوجهات نظرهم في الصراع…وجذوره.. وتفاصيله.

لقد التهمت صفحات المجلة الضخمة في يومين وثلاث ليال متواصلة.. لقد كنت في حالة وصال عرفانية.. جعلتني اعيد القراءة لمقاطع عديدة مرات عديدة وما توقفت من تكرار القراءة لأن النعاس والانهاك منعاني وانما لأنني اخترت موقعي من الصراع على بينة .

من جهة هناك حجج يهودية تتحدث عن عقد أبدى بين رب يدعى يهوى وشعب مختار بارح الارض المقدسة منذ الفين سنة.. ويعود الى ارض منحها له إلهه.. وهناك اناس في هذه الارض لم يرحلوا قط لا من الفين ولا من ثلاثة الاف سنة… وهاهم يسلبون ارضهم.. وينفون بسبب اشتراك الاسطورة والآلة ضدهم في صولة واحدة..

ويتحولون الى شتات بعد ان كانوا شعبا…؟

لقد تملكني شعور عجيب بأنني صرت في أيام قليلة شخصا آخر..

لقد كنت كثوب تم ارتداءه مقلوبا لفترة طويلة..

وبحركة كف تمت اعادته للصيغة السليمة في الارتداء.

في الحقيقة لقد كانتا ضربتي كف.. واحدة من بونا كان.. وواحدة من فلسطين…

(آه..لو تعرفون كم يعز على نفسي ان اكون مدينا لاحد من عائلة كان بدين..)

عزيزي ابو عمار..

يجب ان اقول لك.. قبل ان تذهب بعيدا.. ويصيرعسيرا عليك ان تسمعني :

انني مدين لك انت ولشعب فلسطين بالكثير.. لقد شغلتما الحصة الانبل والاجمل من شبابي الذي تفاقم على ايقاع نضالاتكما.. ولكهولتي ونضجي..ايضا لانها تابعت موسيقى هزائمكم المدوية.. وانتصاراتكم الغير محتملة.. فكم مت يا عرفات.. ووقفت من قبرك.. من محنة 1967 الى ايلول الدامي بالاردن..

من صبرا وشاتيلا الى ركام تونس.

من حصار بيروت الى حصار غزة..

وحتى المقاطعة برام الله…

لقد سعيت على ان يبقى الحلم واقفا.. وعلى ان تجعل من عصائب المنفيين شعبا…قادرا على بناء فلسطين المحررة في شرق المؤاخاة الحتمية.

كتب بول نيزان الفيلسوف الشيوعي بسنوات قليلة قبيل سقوطه برصاص الغدر النازي:

“.. عندي عشرون سنة.. ولن اترك احدا يقول انها أجمل اوقات العمر..”

في سنة 1967 كنت في العشرين.. وبسبب فلسطين كانت أجمل اوقات العمر..

عبد الله سيريه باه

ترجمة محمد ولد أمين.