Facebook
فرص ضئيلة للحوار.. الكل يضيعها
19/03/2013


يتخوف الرئيس مسعود ولد بلخير الذي يقف في منتصف الطريق بين طرفي النزاع السياسي في البلد ـ والذي يشدد علي حوار يفضي إلي تنظيم انتخابات تكون محل إجماع ـ من أن يترسخ سلطان العسكر في السلطة مرة أخري بواسطة الانتخابات، فالرئيس محمد ولد عبد العزيز لازال يلبس البزة أو يدير الأمور علي الطريقة العسكرية، كما لم يكن بمقدور أي أحد أن يـُخضع قواد جيشه ـ الأقل قدرة في الغالب علي الإلهام بالقدوة والمهارة الحسنة والإستقامة ـ خلال الإنتخابات الماضية ، للضوابط التي وضعت من أجل تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة.
إن الدولة تمدهم بميزانيات ضخمة وصلاحيات واسعة لاتخضع للتفتيش وسيكون من السهل عليهم اقتراف نفس التجاوزات الماضية في غياب قيود أشد صرامة وأوضح من ذي قبل، لقاء دعم نظام حصلوا فيه علي مآثر ، الجميع يعرف أنها مستحيلة في حق أغلبهم مهنيا وموضوعيا.. .ليس هذا هو الأسوأ علي الإطلاق فدولة المؤسسات مازالت بعيدة المنال بل أن تراجعا ملحوظا خلال هذه المأمورية للعدالة والإدارة أمسي واضحا ، ويجري لغط كبير داخل الساحة الإعلامية والسياسية يأخذ معه كثير من الناس للتصديق بأن كثيرا من مناحي التسييراليومي للدولة يتم بالأوامر ويشوبه انعدام الشفافية والنزاهة علي الأقل.
كما أن الإنطباع الذي يوشك أن يكون واقعيا والمتعلق بدور الرئيس في توجيه الصفقات والتدخل في قضايا المال والأعمال جعلت فرص توزع الأطر والوجهاء و رجال الأعمال علي الأفكار والآراء والأحزاب ضئيلة ، فأي معني بعد ذلك لتنظيم الانتخابات تحمل وصف "النزيهة "؟ وهل بإمكان هذا الجو الملبد بالدرن أن يمنح الفرقاء الثقة بالتفاؤل حول تكافؤ الفرص والحظوظ التي توجد في الصدق والقانون في مثل هذه الحالات؟ وأين يمكن الحصول علي فرص التأثير علي إرادة الناخبين من خلال البرامج ؟ ومن أين للمعارضة المال الضروري لتسيير الحملات الإنتخابية وهي التي تواجه الحرمان من التعيين ومن الصفقات ؟ أم أن التخوف في غير محله !؟
يحاول النظام منح ثقة كبيرة بالشفافية للفرقاء من خلال إضفاء كامل المصداقية ومعايير الكمال علي اللجنة الوطنية للإنتخابات بوصفها هي كل مايلزم لتنقية الأجواء للوصول إلي تنظيم إنتخابات يشارك فيها الجميع ، هذا التنازل العظيم ـ كما تروق كثيرا تسميته بذلك لدي مثيري الدعاية للنظام ، الذي يسعي جاهدا في إختزال كل الحلول ، ليس هو أكبر مشكلة تواجه هدف بناء الثقة ـ الذي يشق علي مسعود وحده علي مايبدو ـ ، بل أن المناخ السياسي الذي يتسم بالتنافر والقطيعة وانتفاء الثقة هو العائق الأول دون قبول عرض النظام المتعلق بالضمانات الفنية المرتبطة بالعمليات الإنتخابية في الحقل الإنتخابي .
إن المشكلة تـُطرح أمام جوهر العملية الإنتخابية الذي هو حجم المشاركة السياسي والفكري والإيدلوجي وبعد ذلك إستمرار كل شخص في مزاولة نشاطه المهني دون أن يلحقه أي أذي جراء موقفه السياسي .
فالحديث عن لجنة وطنية للإنتخابات قبل الوصول إلي وضع حد لتراكم التناقضات ليس جديا ، خاصة أن المعارضة التي تضم جميع القوة السياسية مستمرة في وضع مزيد من الضغوط علي كاهل النظام من ضمنها رفض المشاركة في إنتخابات تصفها بالمهزلة لأنها لم يتم إشراكها في تحضير الظروف والشروط التي تبدد المخاوف من أن النظام مستمرفي تزوير إرادة الناخبين قبل الوصول إلي تزوير أصواتهم ، كما لا يضمنون أي نتائج تناسب حقيقة مجهودهم .
إن التعامل مع الجانب السطحي للأزمة لا يضمن سلاسة العلاقة بين النظام والمعارضة إلي ما لا نهاية ، فجوهر الأزمة أن لا أحد من الأطراف يعترف بالآخر في قرارة نفسه ولا يرغب بالأساس في التعامل معه ، لكن التفاهم حاليا حول بعض الضمانات قد يخرج البلد من وضع الأزمة السياسية الذي لاينفك ، ونجد فيه أيضا حلا "للنازلة" الدستورية المتعلقة بدخول الهيئات الدستورية نهاية السنة الثانية قبل التجديد .
لا يـَمـَل ولد عبد العزيز من تكرار إستعداده لمنح جميع الضمانات المتعلقة بالشفافية ، ومع ذلك لاتبعث الخطوات التي يقوم بها في الخصوص، بالثقة لأي أحد.
ومؤدي ذلك حسب التقييم العام لشخصيته هو فردانيته في إتخاذ القرار فالرجل لايريد أن يستفيد من من حوله ولا من من حاوره .فالوضع يشي بأننا في قبضة حكم إرتجالي يثير الكثير من القلاقل والمخاوف ولايريد أبدا التعايش مع أي مركز أو قوة ضغط سياسية أودستورية .
ولايعرف أحد إضافة إلي التذمرالكبيرالذي تعيشه أغلبيته ماهوسر إعتداد ولد عبد العزيز بنفسه لدرجة الغرور .وهذه بحق كارثة .
لكن ليست هذه هي وحدها كل مايواجهنا من كوارث , فهناك طرف آخر لم يسبق أن لبس الزي العسكري ولم يتلق الخدمة العسكرية يتصرف كما لو كان عسكريا طيلة حياته .
فما هو يا تري عدد الخيارات المتاحة لرئيس منتخب أمام مطالب تعسفية وغير مشروعة بالرحيل عن سلطته لأنه فقط ـ ودعونا من إستحضار بعض المساوئ ـ لا يروق لبعضهم ، أم أن هناك من أخذ علي نفسه تعهدا خارجيا بأن يـُخضع البلد لتيار الربيع العربي ، وأمام مطالب أقل جدية أخري مثل التنازل عن صلاحياته الدستورية لصالح وزيره الأول والإشراك في تعيينات من إختصاصه ومن نصيبه أيضا كصاحب أغلبية .أفليس منطق الإملاء والوقوف عنده مطلقا منطقا عسكريا هو الآخر .
من الصعب جدا هنا الحكم علي أي طرف بفداحة خطئه مقارنة بالآخر بالنسبة للمواطن العادي الذي يتعامل مع الدعاية والدعاية المضادة علي حدود فهمه ، ولا يمكن أيضا تحديد مدي نجاح أي دعاية، ولذلك لم نتمكن من صنع رأي عام مستنير، فالإتهامات بالفساد وسوء التدبير التي تطلقها المعارضة والتي تلاقي حجما أقل من التغطية في الإعلام العمومي ويساندها تدني الظروف المعيشية للناس وغلاء الأسعار ، يقابلها خطاب زاخر بالإنجازات تسخر له الدولة كل قواها ويستشهد علي ذلك بشق الطرقات والإنارة ،كما يقارع القول بالتدهور: ضعف القوة الشرائية وزيادة عدد الفقراء الأشد فقرا واتساع قاعدة المواطنين الذين هووا إلي حافة الفقر بسبب تدني الدخل وتكدس الأموال في الخزينة العامة مع غياب إجراءات واضحة للتسيير، وتعدد نماذج الإحتجاج من سوء الوضع ، يقابلها النظام بأنها من مضاعفات محاربة الفساد .
فمن ذا الذي سيصدر الحكم الفصل أمام تشبث كل طرف بدعواه. إن الشيء الوحيد الذي يمكن النطق به ويكون الحكم فيه عدلا هو أن المعارضة حرمت مرات عدة من كسب بعض الرهانات بسبب جور الإدارة وعدم نزاهة الشروط والظروف التي تقام فيها عمليات المنافسة، وهذا يؤرقها باستمرار خاصة سلافتها التي توشك علي التقاعد الثاني ، لكن لا يعد من الإنصاف أن نستمر في نسيان الأمر الذي يلازم ذلك ،ألا وهو عدم التزام المعارضة بالشرط الأول لممارسة الديمقراطية الذي هو الصبر، فعلى من خسر الجولة أن ينتظر الجولة الثانية بصدر رحب . وعلي من حصد نسبة اقل أن يتعاون مع أصحاب النسب الكبري .
إن تاريخ معارضتنا ـ وهذا يجب أن لايذاع علي نطاق واسع لأنه يثير عدم الإعجاب ـ أكثر ثقة في التغيير الذي يأتي عبر الثكنات من هو عبر صناديق الإقتراع .
إن ثقة المعارضة في إنتخابات بأغلب شروطها ، أقل بكثير من ثقتها في إنتخابات يسيرها عسكري يتطوع بالخروج من السلطة ولذلك نلاحظ أن حماس المعارضة للإنتخابات باهت جدا ، بينما يتوهج حماسها للإنقلابات خاصة تلك التي قد تأتي بمن يملك تلك الخاصية .
إن ذلك يتبع مبدأ ثابتا عند المعارضة : فكلما كانت الإنتخابات الرئاسية غير" نزيهة " لا تهتم بكل ما يلحق بذلك من إنتخابات ، من العمل السياسي المدني، من محاولة تقوية المؤسسات الدستورية ، من الضغط لكسب التنازالات التي تدعم الشفافية في المرة القادمة ، فكم من فرصة مهمة لتكريس الديمقراطية ضاعت علي البلد بسبب التشنج الدائم للمعارضة الذي يقابله سلوك معاد للديمقراطية نفسها من لدن النظام .
إن المتتبع للمسار الديمقراطي الوطني يري أن المعارضة تأخذ قرار المشاركة في الإنتخابات دائما متأخرا بإستثناء إنتخابات 1996 البرلمانية التي تمت فيها للمرة الأولي المصادقة علي قانون النسبية ورئاسيات 2007 .
والجميع يعرف أن التحضير للدخول في الإنتخابات قصد كسبها يتطلب قسطا من التخطيط ومن الوقت ومن المال . إن المعارضة اليوم أهدرت 3سنوات من الصدام مع ولد عبد العزيز متناسية أنها بحاجة لها للعمل علي وضع حد لسلطة الجيش من خلال قنوات ديمقراطية ولن يتسني ذلك بالنسبة لبلد ديمقراطي إلا من خلال وضع آليات لنظام يقبل التناوب علي السلطة بشكل تلقائي وعقب كل إنتخابات وذلك بالتأكيد عبر انتزاع كل التنازلات التي تضمن تنظيم إنتخابات نزيهة ، وهذا ما كان يجب أن يأخذ الأطراف إلي تفاعل سياسي محوره الإنتخابات و تحسين أداء الإدارة والحفاظ علي المكاسب وترسيخ دولة المؤسسات.
وكان ذلك علي وجه التحديد أحد خلفيات فكرة إنشاء مؤسسة المعارضة خلال المرحلة الإنتقالية 2006 للحفاظ علي صلة بالسلطة تضمن التشاور والتباحث و طرح ونقاش ومتابعة هذه القضايا . ويأتي عمل أحزاب المعارضة فيما بعد لتعزيز تلك الجهود .
وها نحن وبعد مضي 3 سنوات من مأمورية عزيز لم يعد بمقدور أي مراقب حصيف اليوم التفاؤل بقدرة المعارضة علي إزاحة ولد عبد العزيز عن السلطة من خلال الإنتخابات، مع أن ذلك هو حلمها الوحيد. ليس العائق الأول أمام ذلك هو سلامة نهجه ، بل لأنها لم تضع في الحسبان الإنتخابات كخيار وحيد للتخلص منه وهذا هو النهج الذي أمسى العائق الرئيسي أمام خروج البلد من دوامة غياب التناوب السلمي علي السلطة .
لا أريد القول إن ولد عبد العزيز يملك القوة اللازمة علي مجارات السيناريو الروسي لكني لا أستبعد أنه يفكر في ذلك مادام يملك كل أوراق اللعبة السياسية ومادامت المعارضة تعمل خارج الإطار الذي يمكن أن يمكنها من تحريك دفة أمور البلد في الإتجاه الذي يضمن انفتاحا وتعاونا حقيقيا بينها والنظام يسمح بتسوية المشاكل العالقة وتبديد المخاوف.
إن مبادرة مسعود التي تصب في صالح التخفيف من غلواء الأزمة تحاول النيل من جهود النظام لجرنا مرة أخري إلي 66 فلا يوجد خيار آخر دون تنظيم الإنتخابات ،كما أن الإستمرار في موقف التعنت الذي سنجده يتراخي أمام ضغوط غربية سيجعل المعارضة تخسر جميع فرص التحضير للمنافسة كما مضت عليها 22 يوما بعد توقيع إتفاق داكار في نقاش بعض الملاحق التي لم تحقق بها أي نصر في الإنتخابات فيما بعد .
فلماذا كل هذا الحجم من قصر النظر . إن المعارضة بأسلوبها الحالي تدفع رفيقها ـ الذي رفض عروضا كثيرة من الشراكة مع عزيز ـ لأن تخور قواه أمام الرهان عليها في سبيل تحقيق هدف الجلوس علي طاولة النقاش من أجل حسم الخلافات حول القضايا الملحة وتقدير سوء الوضع حق قدره .
ثم أن محمد ولد عبد العزيز هو الآخر الذي تزداد قاعدة معارضته كما وكيفا ويواجه تهديدا يوميا بالثورة وبانعدام مصداقية حكمه لا يعتني بالمخاوف التي تثيرها مبادرة مسعود بقدرما يظهر نوعا من الإحترام الشخصي له الأمر الذي يجعل من مسعود وهو يشق إجماع قومه من المعارضة في إتجاه الحوار، يجعله لم يحقق أي نصر حقيقي للوطن وقد يعود به ذلك لأرومته بعدما خرج عنها في سبيل تحقيق مكاسب كبري للبلد فرهان محمد ولد عبد العزيز علي إبقاء مسعود دوما إلي جانبه دون أن يتعاون معه لإخراج البلد من وضع الأزمة الذي تمر به منذ بعض الوقت معه رهان خاسر .
إنه أسوأ وضع عرفته موريتانيا من حيث ضعف الثقة بين الفرقاء ، وتزداد الرؤية قتامة كلما نظرنا إلي فهم الأطراف للسياسة والحكم والبناء والأمن والإصلاح وغيرها.
الثلاثاء 19 آذار (مارس) 2013
 
محمد محمود ولد بكار

Source : aqlam
 


كل اقتباس جزئي أوكلي من هذ المقال يجب ان يحوى المصدر : www.journaltahalil.com
تفاعل مع هذا المقال
الإسم
البريد الالكتروني
تعليق
أدخل الكود

تطلب إدارة تحرير تحاليل منكم أن تتحاشوا الألفاظ المسيئة لفرض جدية ومصداقية تعاليقكم في هذه القائمة. تعاليق الزوار لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع وصحفيية.
التعاليق المهينة و المشوه للسمعة سيتم حجبها .

تحاليل 2006-2020 جميع الحقوق محفوظة